فخر الدين الرازي
471
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لنافعة ، وإن من عزمي أن أتزوج ، وإني فيك لراغب . أما قوله تعالى : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فاعلم أن الإكنان الإخفاء والستر قال الفراء : للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان : كننته وأكننته في الكن وفي النفس بمعنى ، ومنه : ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ * [ النمل : 74 ] ، و بَيْضٌ مَكْنُونٌ [ الصافات : 49 ] وفرق قوم بينهما ، فقالوا : كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة ، وإن لم يكن مستورا يقال : در مكنون ، وجارية مكنونة ، وبيض مكنون ، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت ، ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره ، / وهو ضد أعلنت وأظهرت ، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها . فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالا من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئا فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ جاريا مجرى إيضاح الواضحات . قلنا : ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح في الحال ، ثم قال : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ والمراد أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل ، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال ، وتحريم للتصريح في الحال ، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ، ثم إنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك ، فقال : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني ، فلما كان دفع هذا الخاطر كالشئ الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك . ثم قال تعالى : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا وفيه سؤالان : السؤال الأول : أين المستدرك بقوله تعالى : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا الجواب : هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه ، تقديره : علم اللّه أنكم ستذكرونهن فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن . السؤال الثاني : ما معنى السر ؟ . والجواب : أن السر ضد الجهر والإعلان ، فيحتمل أن يكون السر هاهنا صفة المواعدة على معنى : ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى ولا تواعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفا بوصف كونه سرا ، أما على التقدير الأول وهو أظهر التقديرين ، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على وجه السر لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات ، وهاهنا احتمالات الأول : أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة الثاني : أن يواعدها بذكر الجماع والرفث ، لأن ذكر ذلك بين الأجنبي والأجنبية غير جائز ، قال تعالى لأزواج النبي صلى اللّه عليه وسلّم : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [ الأحزاب : 32 ] أي لا تقلن من أمر الرفث شيئا فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [ الأحزاب : 32 ] الثالث : قال الحسن : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا بالزنا طعن القاضي في هذا الوجه ، وقال : إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما يخص به الخاطب حال العدة أولى . والجواب : روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة ، وهو يعرض بالنكاح فيقول لها : دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك ، فاللّه تعالى نهى عن ذلك الرابع : أن يكون / ذلك نهيا عن أن يسار الرجل